محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
93
بدائع السلك في طبائع الملك
لما كان هذا الخضوع من لوازمها وغلب فيه ، حتى صار حقيقة عرفية . واستغنى بها عن مصافحة أيدي الناس ، لما فيها لكل أحد من الابتذال المنافي للرئاسة فوق المنصب الملوكي ، الا في الأقل لقصد تواضع من يأخذ به نفسه من الملوك مع خواصه ، ومشاهير أهل الدين من الرعية « 21 » . تنبيه : قال فافهم معنى البيعة في العرف ، فإنه أكيد على الانسان معرفته ، لما يلزمه من حق سلطانه وامامه ، ولا تكون افعاله عبثا ومجانا ، واعتبر ذلك من افعالك مع الملوك ، والله القوي العزيز « 22 » . قلت : ومما يتأكد معرفته مع ذلك ان جواز بعض أنواع هذا الخضوع في التحية انما هو لما عرض ، مما أوجب عند الاقتصار على البيعة السنية تبذلا . وقد قال الغزالي : « ان الانحناء في الخدمة معصية الا عند خوف » « 23 » . المسألة الرابعة : من توابع نظر الخلافة في مصالح الدين والدنيا ولوازم الطاعة له في ذلك ، تولية العهد ، لمن يوفي له بعد مماته ، مبالغة في النظر للخلق ، وخروجا عن عهدة ما يخشى من التقصير في ذلك ، وقد عهد أبو بكر إلى عمر بمحضر الصحابة رضي الله عنهم ، وعهد عمر في الشورى إلى الستة المعروفين رضي الله عنهم جميعهم ، وعندما أوجبوا على أنفسهم طاعة العهد بذلك ، دل على أنهم اجمعوا على جواز النظر به أولا ، وعلى انعقاده بعد الوقوع ثانيا « 24 » . تنبيه : إذا خص الابن بولاية العهد ، واقتضى الحال ذلك ، فلا تهمة فيه على الامام خلافا لقوم . قال ابن خلدون : « واما ان يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء ، فليس من المقاصد الدينية ، إذ هو امر من الله يختص به من يشاء ،
--> ( 21 ) اختلاف مع نص « المقدمة » ج 2 ص 721 . ( 22 ) « مقدمة » ج 2 ص 721 . ( 23 ) احياء علوم الدين « للغزالي » ص 143 . ( 24 ) يستند على : « مقدمة » ج 2 ص 721 .